القرطبي

122

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ليس للنساء خير لهن من ألا يراهن الرجال ، ولا يرين الرجال ] . وذلك أنها خلقت من الرجل ، فنهمتها في الرجل ، والرجل خلقت فيه الشهوة ، وجعلت سكنا له ، فغير مأمون كل واحد منهما في صاحبه . وكذلك تعليم الكتابة ربما كانت سببا للفتنة ، وذلك إذا علمت الكتابة كتبت إلى من تهوى . والكتابة عين من العيون ، بها يبصر الشاهد الغائب ، والخط هو آثار يده . وفي ذلك تعبير عن الضمير بما لا ينطلق به اللسان ، فهو أبلغ من اللسان . فأحب رسوله الله صلى الله عليه وسلم أن ينقطع عنهن أسباب الفتنة ، تحصينا لهن ، وطهارة لقلوبهن . قوله تعالى : علم الانسان ما لم يعلم ( 5 ) قيل : " الانسان " هنا آدم عليه السلام . علمه أسماء كل شئ ، حسب ما جاء به القرآن في قوله تعالى : " وعلم آدم الأسماء كلها " ( 1 ) . فلم يبق شئ إلا وعلم سبحانه آدم اسمه بكل لغة ، وذكره آدم للملائكة كما علمه . وبذلك ظهر فضله ، وتبين قدره ، وثبتت نبوته ، وقامت حجة الله على الملائكة وحجته ، وامتثلت الملائكة الامر لما رأت من شرف الحال ، ورأت من جلال القدرة ، وسمعت من عظيم الامر . ثم توارثت ذلك ذريته خلفا بعد سلف ، وتناقلوه قوما عن قوم . وقد مضى هذا في سورة " البقرة " ( 2 ) مستوفى والحمد لله . وقيل : " الانسان " هنا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، دليله قوله تعالى : " وعلمك ما لم تكن تعلم " ( 3 ) [ النساء : 113 ] . وعلى هذا فالمراد ب‍ " - علمك " المستقبل ( 4 ) ، فإن هذا من أوائل ما نزل . وقيل : هو عام لقوله تعالى : " والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا " ( 5 ) [ النحل : 78 ] . قوله تعالى : كلا إن الانسان ليطغى ( 6 ) أن رآه استغنى ( 7 ) قوله تعالى : ( كلا إن الانسان ليطغى ) إلى آخر السورة . قيل : إنه نزل

--> ( 1 ) آية 31 سورة البقرة . ( 2 ) راجع ج 1 ص 279 طبعة ثانية ( 3 ) آية 113 سورة النساء . ( 4 ) في نسخة : المشكل . ( 5 ) آية 78 سورة النحل .